مجمع البحوث الاسلامية

633

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

النّهار ويقوموا اللّيل ، وأن لا يناموا على الفرش ، ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح ويسيحوا في الأرض ، فأخبر النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك ، فقال لهم : « إنّي لم أؤمر بذلك ، إنّ لأنفسكم عليكم حقّا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا ، فإنّي أقوم وأنام وأصوم وأفطر ، آكل اللّحم والدّسم وآتي النّساء ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي » . وبهذا الكلام ظهر وجه النّظم بين هذه الآية وبين ما قبلها ؛ وذلك لأنّه تعالى مدح النّصارى بأنّ منهم قسّيسين ورهبانا ، وعادتهم الاحتراز عن طيّبات الدّنيا ولذّاتها ، فلمّا مدحهم أوهم ذلك المدح ترغيب المسلمين في مثل تلك الطّريقة ، فذكر تعالى عقيب هذه الآية إزالة لذلك الوهم ، ليظهر للمسلمين أنّهم ليسوا مأمورين بذلك . فإن قيل : ما الحكمة في هذا النّهي ، فإنّ من المعلوم أنّ حبّ الدّنيا مستول على الطّباع والقلوب ، فإذا توسّع الإنسان في اللّذّات والطّيّبات اشتدّ ميله إليها وعظمت رغبته فيها ، وكلّما كانت تلك النّعم أكثر وأدوم كان ذلك الميل أقوى وأعظم ، وكلّما ازداد الميل قوّة ورغبة ازداد حرصه في طلب الدّنيا واستغراقه في تحصيلها ؛ وذلك يمنعه عن الاستغراق في معرفة اللّه وفي طاعته ، ويمنعه عن طلب سعادات الآخرة . وأمّا إذا أعرض عن لذّات الدّنيا وطيّباتها ، فكلّما كان ذلك الإعراض أتمّ وأدوم كان ذلك الميل أضعف والرّغبة أقلّ ، وحينئذ تتفرّغ النّفس لطلب معرفة اللّه تعالى والاستغراق في خدمته ، وإذا كان الأمر كذلك فما الحكمة في نهي اللّه تعالى عن الرّهبانيّة ؟ والجواب : عنه من وجوه : الأوّل : أنّ الرّهبانيّة المفرطة والاحتراز التّامّ عن الطّيّبات واللّذّات ممّا يوقع الضّعف في الأعضاء الرّئيسة الّتي هي القلب والدّماغ ، وإذا وقع الضّعف فيهما اختلّت الفكرة وتشوّش العقل . ولا شكّ أنّ أكمل السّعادات وأعظم القربات إنّما هو معرفة اللّه تعالى ، فإذا كانت الرّهبانيّة الشّديدة ممّا يوقع الخلل في ذلك بالطّريق الّذي بيّنّاه ، لا جرم وقع النّهي عنها . الثّاني : وهو أنّ حاصل ما ذكرتم أنّ اشتغال النّفس بطلب اللّذّات الحسّيّة يمنعها عن الاستكمال بالسّعادات العقليّة ، وهذا مسلّم لكن في حقّ النّفوس الضّعيفة ، أمّا النّفوس المستعلية الكاملة فإنّها لا يكون استعمالها في الأعمال الحسّيّة مانعا لها من الاستكمال بالسّعادات العقليّة ، فإنّا نشاهد النّفوس قد تكون ضعيفة بحيث متى اشتغلت بمهمّ امتنع عليها الاشتغال بمهمّ آخر ، وكلّما كانت النّفس أقوى كانت هذه الحالة أكمل ، وإذا كان كذلك كانت الرّهبانيّة الخالصة دليلا على نوع من الضّعف والقصور ، وإنّما الكمال في الوفاء بالجهتين والاستكمال في النّاس . الثّالث : وهو أنّ من استوفى اللّذّات الحسّيّة ، كان غرضه منها الاستعانة بها على استيفاء اللّذّات العقليّة ، فإنّ رياضته ومجاهدته أتمّ من رياضة من أعرض عن اللّذّات الحسّيّة ، لأنّ صرف حصّة النّفس إلى جانب الطّاعة أشقّ وأشدّ من الإعراض عن حصّة النّفس بالكلّيّة ، فكان الكمال في هذا أتمّ . الرّابع : وهو أنّ الرّهبانيّة التّامّة توجب خراب الدّنيا وانقطاع الحرث والنّسل . وأمّا ترك الرّهبانيّة مع المواظبة